الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
284
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أعظم الضر ، ولا تضرونه أقلّ ضر ؛ فإنّ المعروف في المقارعات والخصومات أنّ الغالب المضرّ بعدوّه لا يخلو من أن يلحقه بعض الضرّ من جرّاء المقارعة والمحاربة . وجملة إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ تعليل لجملة وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ، فموقع إِنَّ فيها موقع فاء التفريع . والحفيظ : أصله مبالغة الحافظ ، وهو الذي يضع المحفوظ بحيث لا يناله أحد غير حافظه ، وهو هنا كناية عن القدرة والقهر . [ 58 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 58 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) استعمال الماضي في قوله : جاءَ أَمْرُنا بمعنى اقتراب المجيء لأن الإنجاء كان قبل حلول العذاب . والأمر أطلق على أثر الأمر ، وهو ما أمر اللّه به أمر تكوين ، أي لمّا اقترب مجيء أثر أمرنا ، وهو العذاب ، أي الريح العظيم . ومتعلّق نَجَّيْنا الأول محذوف ، أي من العذاب الدال عليه قوله : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا . وكيفيّة إنجاء هود - عليه السّلام - ومن معه تقدّم ذكرها في تفسير سورة الأعراف . والباء في بِرَحْمَةٍ مِنَّا للسببيّة ، فكانت رحمة اللّه بهم سببا في نجاتهم . والمراد بالرحمة فضل اللّه عليهم لأنّه لو لم يرحمهم لشملهم الاستئصال فكان نقمة للكافرين وبلوى للمؤمنين . وجملة وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ معطوفة على جملة وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا . والتّقدير وأيضا نجّيناهم من عذاب شديد وهو الإنجاء من عذاب الآخرة وهو العذاب الغليظ . ففي هذا منّة ثانية على إنجاء ثان ، أي نجّيناهم من عذاب الدّنيا برحمة منّا ونجّيناهم من عذاب غليظ في الآخرة ، ولذلك عطف فعل نَجَّيْناهُمْ على نَجَّيْنا ، وهذان الإنجاءان يقابلان جمع العذابين لعاد في قوله : وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ [ هود : 60 ] . وقد ذكر هنا متعلّق الإنجاء وحذف السبب عكس ما في الجملة الأولى لظهور أن الإنجاء من عذاب الآخرة كان بسبب الإيمان وطاعة اللّه كما دلّ عليه مقابلته بقوله : وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ [ هود : 59 ] .